وحدة القوى الوطنية وثورة تشرين الثانية.. هل اقترب موعد استعادة العراق؟
تمر منطقة الشرق الأوسط بمرحلة مفصلية قد تعيد رسم موازين القوى لعقود مقبلة. فالنظام الإيراني، بعد قرابة خمسة عقود من بناء نفوذه الإقليمي، يواجه تحديات متزايدة، فيما تتصاعد التساؤلات حول مستقبل أذرعه ومشروع الهيمنة الذي جعل من العراق إحدى أبرز ساحاته السياسية والأمنية. لقد دفعت شعوب المنطقة أثماناً باهظة نتيجة الصراعات والتدخلات الخارجية، وأصبح احترام سيادة الدول، وإنهاء نفوذ الميليشيات، وإعادة القرار الوطني إلى الشعوب ضرورة ملحّة. فالمعركة الحقيقية ليست بين الشعوب، بل بين مشروع الهيمنة وحق الشعوب في الحرية والسيادة والاستقرار. منذ عام 1979، توسع النفوذ الإيراني عبر شبكة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة، وكان العراق من أبرز ساحاته. لكن الأزمات الاقتصادية والتحديات الداخلية والضغوط الخارجية تطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذا النفوذ. ومع ذلك، فإن التغيير لا يتحقق بمجرد انتظار سقوط النظام، بل بالاستعداد لمرحلة تحترم سيادة الدول وتبني علاقات إقليمية متوازنة. وما نريده ليس استهداف الشعب الإيراني، بل إنهاء سياسات الهيمنة التي أضرت بإيران وجيرانها.
إسرائيل والعرب.. المصالح الاستراتيجية قبل الحسابات الشخصية: لا يتوقف مستقبل المنطقة على اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بل على سياسات حكومته تجاه الفلسطينيين والأمن العربي والصراعات الإقليمية. ومن مصلحة العرب التعامل مع المتغيرات بمنطق المصالح الاستراتيجية، لا الخصومات الشخصية. فمواجهة النفوذ الإيراني لا تعني تجاهل الحقوق الفلسطينية، كما أن الخلاف مع إسرائيل لا ينبغي أن يمنع الدول العربية من حماية أمنها ومصالحها. العرب بحاجة إلى قرار مستقل، لا يجعلهم أسرى للمشروع الإيراني، ولا تابعين للحسابات الإسرائيلية أو رهائن لقرارات القوى الدولية.
الخليج العربي.. قوة كبيرة تحتاج إلى وحدة القرار: تمتلك دول الخليج إمكانات اقتصادية ومالية وعسكرية واستراتيجية هائلة، ويمكنها تحقيق نتائج أكبر عبر تنسيق رؤاها وتوحيد قراراتها. فالسعودية بثقلها السياسي والاقتصادي، والإمارات بقدراتها الاستراتيجية، وقطر بإمكاناتها المالية والدبلوماسية، دول محورية في معادلة الأمن الخليجي والعربي. ولا تعني الوحدة التنازل عن استقلال القرار، بل إن التنسيق والتكامل يمنحان الجميع قدرة أكبر على مواجهة التحديات وحماية المصالح المشتركة. والخليج المتكامل ركيزة لاستقرار المنطقة وشريك استراتيجي يستطيع مساعدة العراق على استعادة قراره الوطني. ومن مصلحة العراقيين بناء شراكة حقيقية مع دول الخليج، تقوم على احترام السيادة والتعاون الاقتصادي والأمني، وتدعم قيام دولة عراقية مستقلة بعيداً عن هيمنة الميليشيات والتدخلات الخارجية.
العراق.. أزمة منظومة لا مجرد أزمة حكومة: بعد أكثر من عقدين على تغيير النظام عام 2003، ما زال العراقيون ينتظرون دولة تحمي أمنهم، وتحارب الفساد، وتوفر الخدمات، وتدير الثروات الوطنية لمصلحة الشعب. وتبقى الميليشيات والسلاح خارج سلطة الدولة، والتدخلات الخارجية، والمحاصصة، أبرز العقبات أمام بناء عراق مستقل وقوي. إن تقييم أي رئيس وزراء يجب أن يستند إلى النتائج الفعلية، لا الوعود والتفاهمات السياسية. وفيما يتعلق بعلي الزيدي، ينبغي أن يرتبط الحكم على تجربته بقدرته على فرض سلطة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، وحماية حقوق المواطنين، واستعادة استقلال القرار العراقي. فإذا عجزت الحكومة عن تحقيق تغيير ملموس، ستفقد ثقة الشارع مهما امتلكت من تحالفات. والعراق لا يحتاج إلى تغيير الأشخاص فقط، بل إلى تغيير قواعد الحكم، وإنهاء احتكار الدولة من قبل الأحزاب والميليشيات، وإعادة الاعتبار للمواطنة والكفاءة وسيادة القانون. وإذا تراجع النفوذ الإيراني، فقد تنفتح أمام العراق فرصة تاريخية لاستعادة قراره، لكن اغتنامها يتطلب مشروعاً وطنياً يعيد بناء المؤسسات، ويقوي القضاء، ويحرر الأجهزة الأمنية من الولاءات الحزبية، ويحمي الثروات من الفساد. فالتحولات الدولية قد تفتح نافذة للتغيير، لكن العراقيين وحدهم يستطيعون تحويلها إلى مشروع لاستعادة وطنهم.
تشرين لم تمت.. وثورة تشرين الثانية تبدأ بوحدة القوى الوطنية: أثبتت انتفاضة تشرين عام 2019 أن العراقيين، ولا سيما الشباب، قادرون على كسر حاجز الخوف والمطالبة بوطن يحفظ الكرامة، ودولة تحارب الفساد، وحكومة تخضع للمساءلة. ولم تكن تشرين مجرد احتجاج عابر، بل تعبيراً عن رفض المحاصصة والفساد والتبعية، وعن الرغبة في بناء دولة مدنية تحترم مواطنيها. لقد دفع المتظاهرون أثماناً قاسية، لكن الأفكار الوطنية لا تموت بانتهاء التظاهرات، والمطالب المشروعة لا تسقط بتغير الحكومات. فتشرين قضية وطنية لم تُحسم بعد، و«تشرين الثانية» ينبغي أن تكون دعوة إلى تجديد العمل الوطني السلمي، وتنظيم القوى المدنية والمستقلة، وتوحيد خطابها، وتقديم بديل سياسي يحول الغضب الشعبي إلى إصلاح حقيقي. ولا يكفي رفض منظومة الفساد، بل لا بد من مشروع واضح لبناء الدولة، يحمي حقوق المواطنين، ويضمن استقلال القضاء، ويضع السلاح تحت سلطة القانون، وينهي المحاصصة الطائفية والمناطقية. وهنا تكمن مسؤولية القوى الوطنية في تجاوز الخلافات الشخصية والاتفاق على برنامج مشترك يعيد العراق إلى أبنائه. فوحدتها شرط أساسي لاستعادة الدولة، وإعادة الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتحويل تشرين من انتفاضة احتجاجية إلى مشروع وطني للتغيير.
العراق لا ينتظر معجزة.. بل ينتظر أبناءه: قد تتغير موازين القوى في الشرق الأوسط، ويدخل النظام الإيراني مرحلة جديدة، وتعيد دول المنطقة ترتيب تحالفاتها، لكن مستقبل العراق لن يتحدد في طهران أو واشنطن وحدهما، بل بقدرة أبنائه على استعادة وحدتهم وتقديم مصلحة الوطن على المصالح الحزبية والشخصية. نريد عراقاً لا تكون فيه الميليشيات أقوى من الدولة، ولا الأحزاب فوق القانون، ولا الثروات وسيلة لإدامة الفساد، ولا يضطر شبابه إلى الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل. نريد عراقاً عربياً مستقلاً، يبني علاقات متوازنة مع جيرانه، ويتعاون مع الخليج على أساس المصالح المشتركة، ويرفض التدخلات الخارجية أياً كان مصدرها. إن تراجع النفوذ الإيراني، إذا تحقق، سيكون تحولاً مهماً، لكنه لن يكفي وحده لإنقاذ العراق. فالإنقاذ يحتاج إلى إرادة وطنية، ومؤسسات قوية، وقوى مدنية موحدة، وشعب يؤمن بإمكان التغيير. تشرين لم تمت، والفكرة الوطنية لم تنتهِ، وإرادة الشعوب لا يمكن إلغاؤها إلى الأبد. قد تتأخر لحظة التغيير، لكن العراق يستحق أن نبذل من أجله كل الجهود الوطنية السلمية، ليستعيد سيادته وهيبة دولته وأمل شبابه بمستقبل يليق بتضحياتهم. العراق أولاً.. والسيادة للشعب.. والدولة فوق الجميع.
د. أيهم السامرائي
المجلس الوطني العراقي للتغيير / الحراك العراقي
٢٩ / ١٠ / ٢٠٢٦
![]()
