بغداد – لم يعد السؤال في العراق اليوم: كيف يعمل البرلمان؟ بل لماذا يوجد أصلًا؟ فالمؤسسة التي يفترض أن تراقب أداء الحكومة وتشرّع القوانين تحولت إلى رمزٍ للفساد المالي والجمود السياسي، بعدما استنزفت الموازنات العامة دون أن تقدّم إنجازًا يوازي هذا الإنفاق الضخم.
بحسب بيانات الخبير الاقتصادي منار العبيدي، تجاوزت كلفة مجلس النواب خلال السنوات 2015 – 2025 حاجز 5.5 تريليون دينار عراقي مقابل 321 قانونًا فقط، أي أن كلفة القانون الواحد بلغت نحو 17.1 مليار دينار. وفي الدورة الحالية وحدها، بلغ الإنفاق 2.4 تريليون دينار مقابل 69 قانونًا فقط، لتصل كلفة التشريع الواحد إلى 35 مليار دينار.
الأرقام لا تتوقف عند هذا الحد. فخلال عام 2025 وحده، ارتفع الإنفاق السنوي للبرلمان إلى أكثر من 650 مليار دينار مقابل إقرار 11 قانونًا فقط، بمتوسط يقارب 60 مليار دينار لكل قانون. ويعلق العبيدي ساخرًا: “نتمنى ألا تصل قيمة القانون الواحد في الدورة المقبلة إلى 100 مليار دينار.”
تقرير الشراكة الدولية للميزانية (IBP) لعام 2023 صنّف العراق بين أضعف الدول في الرقابة البرلمانية على الإنفاق العام، إذ حصل على 46 من 100 في مؤشر الرقابة، و8 من 100 في مؤشر الشفافية، ما يعكس غياب المساءلة داخل المؤسسة التشريعية.
إحصاءات رسمية صادرة عن مجلس النواب كشفت عن انهيار في الأداء النيابي:
76 نائبًا لم يصوتوا على أي قانون طوال الدورة.
48 نائبًا تحدثوا مرة واحدة فقط في العام.
26 نائبًا لم يتجاوزوا نصف كلمة في المداخلات.
النشاط الفعلي اقتصر على نحو 20 نائبًا فقط.
هذه الأرقام دفعت الباحث السياسي فاضل أبو رغيف لوصفها بأنها “مفجعة”، مطالبًا بـ“إعادة الرواتب والمخصصات في حال ثبوت صحتها”، مؤكّدًا أن ما يجري “ليس ضعفًا في الأداء بل انهيارًا في مفهوم المسؤولية العامة.”
ويرى مراقبون أن البرلمان العراقي لم يعد سلطة رقابية أو تشريعية، بل عبئًا ماليًا يستهلك الموازنة العامة بلا مردود، إذ يعيش حالة شلل مزمنة بسبب المحاصصة الحزبية والطائفية التي جعلت المناصب تُقسم لا تُنتخب، والقوانين تُساوَم لا تُناقش.
منذ انتخابات 2021، ترسخ هذا الجمود أكثر بعد أن بقيت البلاد أكثر من عام بلا حكومة أو رئيس جمهورية بسبب صراع الكتل على “الكتلة الأكبر”، ما دفع رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى القول إن “النظام البرلماني الحالي لا يصلح للعراق لأنه يعزز المحاصصة.”
وفي المضمون، تلاشى دور البرلمان في التشريع والرقابة والتمثيل الشعبي:
أكثر من 120 مشروع قانون معطل منذ سنوات، منها قانون النفط والغاز والمحكمة الاتحادية العليا والخدمة المدنية.
قوانين أُفرغت من مضمونها كـقانون الأمن الغذائي الذي تحول إلى بوابة إنفاق غير منضبط.
الاستجوابات تُستخدم للمساومة السياسية لا للمحاسبة.
الخلل لا يقف عند الأداء، بل يمتد إلى الامتيازات المفرطة:
يتقاضى النائب العراقي نحو 10 ملايين دينار شهريًا، إضافة إلى مخصصات حماية وسكن وسفر وتأمين صحي، ما يرفع التكلفة السنوية لمجلس النواب إلى مئات المليارات، رغم أن بعض النواب لم يحضروا سوى جلسات معدودة.
تقارير ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة تحدثت عن تضخم في الذمم المالية لعدد من النواب من دون أي تفعيل فعلي لقانون “من أين لك هذا؟”، في مؤشر صارخ على اتساع فجوة الفساد داخل المؤسسة التشريعية نفسها.
سياسيًا، فقد البرلمان استقلاليته وتحول إلى ساحة صفقات وتحالفات تخدم الزعامات أكثر من الشعب. فقد أدت أزمة رئاسة البرلمان بعد إقالة محمد الحلبوسي إلى شلل كامل استمر لأشهر، فيما تكررت التدخلات الخارجية في مسار التشريعات والتحالفات، حتى بات المجلس مرآةً لتقاطع المصالح الإقليمية.
الكاتب علي محمود يرى أن “النظام البرلماني لم يفشل لأنه برلماني، بل لأنه أُسّس على أرضية فاسدة تُدار من خارج البرلمان.” فبدل أن يكون بيت الشعب، أصبح البرلمان “دار محاصصة”، تفقد فيه التشريعات معناها والمساءلة قيمتها.
اليوم، يطرح العراقيون سؤالًا أعمق من مجرد نقد الأداء:
هل يحتاج العراق أصلًا إلى برلمان بهذا الشكل؟ أم أن إصلاح النظام السياسي بات مرهونًا بتفكيك بنية المحاصصة وإعادة تعريف الدولة قبل أي تعديل دستوري؟
![]()
